خالد صلاح

مونيكا ناجى يكتب: ضحية الحب

السبت، 19 أغسطس 2017 06:00 م
مونيكا ناجى يكتب: ضحية الحب الحب

قيل عنها كثيراً انها مغفلة، غبية، واقعية حد المو، طائشة، مضحية، ممثلة بارعة، مجنونة، قوية، جبارة البأس، بطلة.. ألقاب كثيرة متناقضة.. لكن أكثر ما قيل عنها أن قلبها أبيض لم يتلوث رغم كل ما مرت به، ورغم محاولات الجميع لتلويثه.
 
ارتمت بثقلها على كرسى مكتبها ثم فتحت مذكرة فارغة، وأمسكت القلم بيدين مرتعشتين وكتبت فيها جملة واحدة فقط "آلمتنى رؤيته".
أغلقت المذكرة واعتصرتها بين ذراعيها وبدأت فى البكاء بكبرياء وكأنها تقول لنفسها "كونى قوية"، ثم أحنت رأسها وسرحت فى الماضى تتذكر كل شيء وكأنه فيلم حصرى يعرض فى ذاكرتها بكل تفاصيله وكأنها تحدث حولها فى تلك الغرفة..
تذكرت كيف كانت كارهة للحياة وفى حالة يرثى لها وناقمة وغاضبة وغير راغبة فى أى شيء، كيف اظلمت الحياة فى وجهها وصفعتها أبوابها وطرحتها أرضاً وداست عليها بكل برود.
وتذكرت كيف اقتحم احدهم حياتها المزرية فجأة دون أى تخطيط أو ترتيب منه أو منها.
رآها.. فسألها.. فأجابته.. فتبادلا الحديث.. فتعرفا.. فأصبحا صديقين...
هكذا.. فجأة..
أتراها لعبة القدر.. أم حكمة القدير!!!!
لم يكن الحديث يحمل أى نية، لكنه أصبح حديثاً يومياً.. حتى أصبح تعوداً.. ثم انجذاباً ثم إعجاباً.. ثم ماذا؟
هذا كان سؤالها.. ثم ماذا؟
انتظرت أن يصارحها لتتلون الحياة وتنفتح لها الابواب مرة أخرى لتمشى على الحرير وتحمل الازهار وتلبس التيجان و..... وماذا؟؟؟
أحلام وأحلام لم تمت للواقع بصلة لأنها لم تكن بطلة أحلامه مثلما كان هو بطل أحلامها.
لم يحلم بها، لم يحبها، لم يشعر بشيء تجاهها.. لم يفكر فيها قط بأكثر مما أبدى، لكنها كانت تظن أن كل ما كان يبديه كان يحمل معنى آخر.. ربما لأن ذلك المعنى الذى أرادته، أو لأن كل ما كان يفعله كان يحمل معنيين ولها حق الاختيار، وله حق الاختيار..
صارحته بكل مكنونات قلبها آملة أن تحرك قلبه لكن دون جدوى منها وكأنها تبحث عن سمكة فى البحر الميت.
لكن ذلك لا يلغى تعودهما على الحديث يومياً، ولم يمنع ما بداخلها من مشاعر من النضوج والنهوض لتكبر يوماً بعد يوم، وتفسير كل ما يحدث على أنه شيء مميز لا عابر، ووضع آمال وأحلام وتوقعات وانتظارات واهية..
وفى خلال تلك الايام دخلت شخصية جديدة فى برواز قصتها، أدخلتها بنفسها لأنها صديقتها، التى كانت أخبرتها مسبقاً بمشاعرها ذى الاتجاه الواحد نحوه..
بدأت بتعريفهما ببعضهما حتى حدثت كل المراحل السابقة معها بينهما أيضاً..
عرفها.. فتحدثا.. فتقربا.. فاغتاظت هى لأنها لم تعد بعد أقرب شخص له، صارت هناك شريكة تشاركها فيه.. فى وقته.. فى اهتمامه.. حتى فى سبب ضحكته.
ومن هنا بدأت المشاكل الحقيقة.. لاطمتها الآلام بكل اشكالها ومن كافة الجهات.. تحبه، لا يبادلها الشعور، صديقتها تتدلل أمامه، يضحك مع صديقتها، تأكلها الغيرة، يزداد اهتمامه بصديقتها يوماً بعد يوم، تتحطم، تواجهه.. ينكر، تواجهها.. تنكر، تتألم، تبكي، تحاول المقاومة، تضعف، تتشاجر.. و تتشاجر.. وتتشاجر.. تخسره بالتدريج، تحل صديقتها محلها بنفس التدريج، تبدأ فى الانسحاب مستسلمة لما يحدث من حولها من إحلال مكانتها بدلاً منها بصديقتها..
لكن فجأة يتحرك كبريائها.. "لا لن أستسلم".. تعاود محاولاتها فى إجبارهم على الاعتراف لكن من وراء الستار وبضربات متباعدة..
ليفاجئها أخيراً باعترافه بحبه... لصديقتها...
صمت رهيب ساد المكان، وضجيج مؤلم عم رأسها.. تحاول إسكاته دون جدوى، تحاول ترتيب أفكارها المشتتة لتخرج ولو كلمة واحدة لكن لسانها أبى أن ينطق ولو كلمة واحدة، لا كلمة عتاب ولا فرح ولا حزن ولا شجار كالمعتاد... لا شيء..
تحجرت الدموع فى عينيها المحدقتان فى اللاشيء.. عتمة أصابت بصيرتها.. ذبذبات ألحقت برأسها وكأن أعصابها أسلاك تسير فيها كهرباء، وانخفض ضغط دمها وهرب الدم من عروقها.. دقات قلب متسارعة لكن جسد دون روح..
ربما مرت اكثر من 7 دقائق لتستطيع أن تخرح كلمة واحدة "حسناً".. كلمة ليست ذات معنى، وربما فى غير محلها، لكنها كلمة ثقيلة جداً لتخرج من ذاك الفم فى ذلك التوقيت بالذات، وكأنها أول كلمة ينطقها إنسان أبكم ينطق لأول مرة بعد معاناة سنين.
لم تكن الكلمة التى انتظرها منها، لكنه أيضا قال ما لم تكن تتوقع أو تتمنى أن يقال!! 
وليس هناك ما يقال بعد ما قيل..
نعم هى من كانت تحاول جاهدة أن تحثهما على الاعتراف.. لكنها أرادت منه هو بالذات أن يثبت أنها خاطئة فى ظنها.. أرادت أن يحبها هى لا صديقتها..
انتهى الحديث لأن لسانها لم يسعفها بأى كلام آخر..
ولوهلة كرهت نفسها لأنها السبب فى دخول بطلة غيرها لحياته، كرهت حياتها، كرهت كل الناس...
لكن حين جاء الدور لتكرهه.. لم تستطع..
وقفت عاجزة أمام أى مشاعر كره أو حقد أو غل أو ضغينة تجاهه..
لأنها وببساطة تحبه.. ومن يحب لا يقدر أن يكره..
وهنا تذكرت أن من يحب أحدهم بصدق سيتمنى له السعادة حتى وإن كانت مع شخص آخر.. حتى وإن كانت على حساب سعادته هو نفسه..
تذكرت أيضا كيف كانت دائماً بجانبه.. كانت دائماً السند الذى لا يميل ولا يمل..
وذكرت نفسها بأنها لابد أن تبقى ذلك السند، وأخذت على عاتقها تجميعهما ببعضهما البعض..
وضعت حبها جانباً.. وأزاحت مشاعرها من الطريق.. لبست قناع اللاشعور وارتادت رداء الصداقة وذهبت فى مهمة محددة..
لم تكن تعلم أن براعتها فى التمثيل كمن رشحت للأوسكار.. ابتسامة مصنوعة من الذهب.. عينان من الألماظ.. لسان من الزمرد.. يد من حرير.. كلمات من ياقوت..
أجبرت صديقتها على الاعتراف بحبها له، ثم كذبت عليها بأنها لا تكن له أى مشاعر الآن، وطمأنتها بأن مشاعرها هى تجاهه متبادلة.. وتركتها لتنام تلك الليلة وتنسج أحلامها.
وفى اليوم التالى طمأنته بأن شعوره تجاه صديقتها متبادل وأخبرته بما فعلت معها وحثته من وراء الستار على التقدم نحو صديقتها.. ونجحت..
لم يمر ذلك اليوم دون أن يتبادلا الاعترافات والمشاعر والأحلام و.... الكثير مما حلمت به هي..
أخبرتها صديقتها بما كانت تعلمه بقلبها مسبقاً.. أنه اعترف لها.
بكت كثيراً.. تألمت.. أصابت قلبها فجوة كبيرة.. ألم لا يسكنه دواء.. حاصرتها دوامة الأفكار، أرادت أن تهرب منها بالنوم لكنها طاردتها حتى النوم..
حلمت ما عكس حقيقة الواقع..
حلمت أنها تزوجت منه.. لكنه بعد الزفاف اضطر أن يذهب للعمل وتأخر ثم عاد إلى المنزل ونام بجانبها دون حتى أن ينظر إليها، وفى اليوم التالى اضطر أيضا إلى الذهاب للعمل حتى جاء وقت الظهر ولم يعد فوجدت أنه لا فائدة من الانتظار فقررت هى الأخرى الذهاب للعمل، فجاء لاصطحابها.. ركبت معه السيارة كشخص غريب لم يلمس حتى يدها..
استيقظت وقد فهمت أنه لن يكون لها لا فى حلم ولا فى واقع، وأن عليها أن تنساه.
فى آخر اليوم يشاء القدر أن يتقابلوا الثلاثة معاً.. تقف وحدها كواقع الحال تنتظرهم لمدة 15 دقيقة أو أكثر، جسدها ينتفض فى رعشة غريبة لأول مرة.. لا تعلم سبب تلك الرعشة هل هو خوفها من المواجهة، خوفها من الفشل فى التمثيل، خوفها من أن ينفضح أمرها، أم لأن ما يحدث فوق كل احتمالها!؟!
وصل الإثنان معاً ورأته و"آلمها رؤيته"..
من ظنت أنه لها.. لم يعد حتى من حقها أن تنظر إليه بعينين محبتين..
وحينما جاء سألها عدة مرات "ما بك؟" لأنه كان قد عرفها وفهم تقلبات مشاعرها، غير أنه أيضا لحظ رعشات يدها.. لكنها أرادت أن يكف عن تكرير السؤال لأنها فى كل مرة ستكذب وتقول "لا شيء" لكنها كانت مرعوبة من أن تخور قواها وتعترف له بما ضحت به من أجله..
عصفوران طائران يغردان فوق نزيف مشاعرها.. يبنيان عشهما من أضلعها.. وتدق قلوبهما مختزلة من دقات قلبها حتى بدأت تتباطئ الحياة فيه وتنسحب بالتدريج..
لم تطل المدة فى ذلك المشهد وغادرتهما متثاقلة الخطوات، متماسكة، آملة ألا تقع أمامهما لئلا ينفضح أمرها..
تسير ممسكة بطرف ثوب أحزانها.. حاملة زهور مشاعرها الزابلة.. تاركة ورائها أحلام وآمال كانت لها وأسلمتها لصديقتها بدلاً منها.. هذه المرة لم تلقى العروس بحفنة من الورود لصديقتها، بل ألقت بحبها نفسه لها..
رفعت رأسها متسائلة بعد هذا الفيلم الحياتي...... "هل أنا حمل هذه التضحية؟ "
حمل توابعها؟ حمل آلامها الغير منتهية؟ حمل كل تلك الأوجاع؟ هل أنا بارعة فى التمثيل لفترات طويلة؟ هل سينكشف أمري؟ وماذا سيحدث أن انكشف أمرى يوماً ما؟.
أسئلة كثيرة تدور حول تلك التضحية العظيمة..
لكن لا أحد يعلم حتى أنها ضحت بشيء.. فهى حقاً بارعة فى التمثيل..
دخلت منزلها وارتمت على سريرها الذى لم يجف بعد من دموع الليلة السابقة، ثم نظرت إلى سقف غرفتها متسائلة "ماذا بعد؟؟"...




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة